الشيخ محمد رشيد رضا

100

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والخنوع والاستخذاء لبعض المخلوقات من جنسهم أو من أجناس أخرى فضل اللّه جنسهم عليها ، وكان أقرب الأمم التاريخية عهدا بالأنبياء والرسل اليهود والنصارى وكانوا على نسيانهم حظا مما ذكروا به لا يزالون يحفظون بعض وصايا رسلهم بالتوحيد ولكنهم لا يفقهون معناها إذ يلبسونها بالشرك في الألوهية كاتخاذ المسيح إلها بل اتخاذ من دونه من مقدسيهم آلهة أو أنصاف آلهة يزعمون أنهم وسطاء بينهم وبين اللّه في كل ما ينفعهم ويضرهم في معاشهم ومعادهم ، وبالشرك في الربوبية باتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه ، يشرعون لهم من الدين ما لم يأذن به اللّه ، ويحلون لهم ويحرمون عليهم فيتبعونهم هكذا كانت اليهود والنصارى في عهد بعثة النبي ( ص ) يتبعون أناسا من علمائهم وأحبارهم ومقدسيهم في عقائد وآداب وشرائع مشوبة بالوثنية والخضوع لغير اللّه تعالى ، لم تؤخذ من وحي اللّه المنزل كما هو الواجب في أمور الدين الخالص من العقائد والعبادات وسائر ما يتقرب به إلى اللّه تعالى ، ولو كان البشر يستقلون بمعرفة هذا من غير وحي من اللّه لما كانوا محتاجين إلى بعثة الرسل . وقد يزعمون أنهم كانوا مبينين لما جاء به موسى وعيسى عليهما السّلام ، ولو صدقوا لما صار دينهم في شكل غير ما كانا عليه هما ومن كان متبعا لهما في زمنهما ، بحيث لو بعثا ثانية لا نكرا كل ما عليه هؤلاء الأدعياء أو أكثره . وإذا كان الركن الأعظم لدينهما وهو التوحيد قد زلزل عند اليهود وزال من عند النصارى فكيف يكون دينهما هو دين موسى وعيسى عليهما السّلام ؟ . - هذه إشارة إلى ما كان عليه أقرب الناس عهدا بدعوة الرسل إلى التوحيد فما ظنك بغيرهم ؟ ، فما الذي فعله القرآن في بيان هذه العقيدة ؟ لو لم يجئ محمد عليه الصلاة والسّلام في بيان التوحيد بغير عنوانه في الشهادتين ( لا إله إلّا اللّه ) لما كان كتابه نورا مبينا لهذه الحقيقة لان من أشرك من أهل الكتاب وأمثالهم من الأمم القديمة كالهنود والكلدانيين والمصريين واليونان كانوا يقولون إن الاله واحد ، وبعضهم كان يصرح بمثل كلمة التوحيد عندنا أو بها نفسها ولكنهم كانوا على ذلك مشركين يزعمون أن بعض البشر أو الحيوان أو الجماد ينفع أو يضر بصفة خارقة للعادة غير داخلة في سلسلة نظام الأسباب والمسببات ، فيتوجهون